المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جدل الأفكار حول نهاية صدام


ريان
03-26-2008, 12:18 AM
كتاب اليوم

شتيوي الغيثي
جدل الأفكار حول نهاية صدام
بداية.. هذه المقدمة يمكن للقارئ أن يتجاوزها إلى صلب الموضوع دون أن يخسر شيئا فليست من الأهمية بمكان، وكنت أريد قبل الولوج في المقال أن أوضح للقارئ الكريم أنه ليس من عادتي الردود على المداخلات كونها تأخذ وقتاً يستلزم جَلَداً هو ليس من صفاتي، وأغبط من يستطيعون ذلك. هذا أولاً. ثانياً: عندي إيمان بأن القارئ هو منتج النص، بمعنى أنه يعطي قراءته الخاصة لما هو مكتوب حسب خلفيته الفكرية أو سعة أفقه المعرفي، مما يجعل الردود من قبل الكاتب أحياناً تفرض نوعاً من الوصاية على القارئ، وتحرك قراءته إلى المنطقة التي يريدها الكاتب، مع أن كل مقال ربما أنتج أفكاراً أو نصوصاً هي ليست من هدف الكاتب؛ لذا يصبح الرد نوعاً من القتل البارد للأفكار فمن حق القارئ أن يمارس دوره الفكري تجاه المقال على أن يلتزم القراءة المعرفية. كما أن الكثير ممن يداخل لا تستطيع أن تتعامل معه بالقضية المعرفية دون غيرها مما يمكن أن يثري أفقك المعرفي أو يلفت نظرك إلى منطقة غائبة في وعيك، فكل ما هنالك من ردود تتجه في خطين: المديح أو الشتيمة، وهما من الكفاية ما يجعلك تطرب كثيراً أو تغضب كثيرا دون أن تضيف إلى رصيدك أو رصيد القارئ شيئاً. هذا غير من يتعامل معك بأسئلة كنت أجبت عليها في ثنايا المقال، وكأن هذا القارئ لم يكلف نفسه عناء القراءة.
مقال الأسبوع الماضي(عام على الأضحية/ صدام: قراءة متأنية) أنتج عدداً من الردود كانت متباينة أشد التباين، ليس لجودة الكتابة في الموضوع؛ بل لأن الموضوع ذاته كان مثيراً إلى الآن بالنسبة لآلاف الناس، فالحديث حول نهاية صدام حتى بعد عام يعيد الأشجان إلى اللحظات الأولى لنهايته، كونها نهاية مثيرة ومستفزة للكثيرين، مما جعل العودة للكتابة أمراً ضرورياً كنوع من الرد العام على الكثير من الآراء المتباينة.
النهاية التي مني بها صدام أثارت الجدل الفكري بين الأطياف الفكرية العربية. هي نهاية مثيرة للجدل لأنها تتداخل فيها إشكاليات عديدة هي من هموم الفكر العربي السياسي حالياً. فهموم بحجم النضال والوقوف ضد المستعمر، يمكن أن تتجسد في نهاية صدام، وهموم مثل استبداد بعض السلطات العربية يمكن أن تتجسد في شخص صدام، وهموم مثل الجهاد والشهادة يمكن أيضاً أن يكون صدام أنموذجا جيدا لها، كما أن الطائفية لها تجسّد كبير في نهايته، وأفكار المؤامرة يمكن أن تطبق هنا عند من يبحث في فكر المؤامرة، كما أن الزمن الذي تم فيه إنفاذ الحكم على صدام كان زمنا له دلالته الرمزية، والرجولة العربية كانت تتأرجح هناك أيضا.. كل ذلك هو ما جعل من نهاية صدام نهاية جدلية أثارت اللغط الفكري والتناحر المذهبي والطائفي على الأراضي العراقية، أو التلاسن والجدل الأيديولوجي على طول الخارطة العربية.
الذهنية العربية لا تتعامل مع نهاية صدام بالجدل الذي طرحته حياة صدام كاملة بما فيها نهايته، ولا تتعامل مع واقع العالم العربي بالأسئلة الحقيقية التي ربما أدت إلى إعادة النظر في الواقع العربي، فما تزال ذهنياتنا العربية هي ذاتها التي كانت مرحلة النضال ولم تتطور عنه ولذلك كانت نهاية صدام تتقاطع بشكل قوي جداً مع هذه الذهنيات.
لكن ومن خلال قراءة العديد من ردود الفعل حول المقال السابق أو بالأصح النهاية التي كانت لصدام ومدى التفاعل الذي حصل في الوجدان العربي من خلال ما يلي:
1_ تستخدم السلطة قوتها لإنهاء الخصوم بغض النظر عن نوعية الخصم أهو سياسي أم فكري، فكما استخدم خالد القسري سلطته لإنهاء خصمه (الجعد بن درهم) كذلك فعل خصوم صدام لإنهاء صدام من الوجود، مع أن الفارق كبير بين الجعد بن درهم وصدام حسين، بذات الطريقة التي أنهى صدام خصومه أيام قوة سلطته. ولا يضر في هذه الفكرة أكان الجعد فارسياً نفذ عليه الإعدام رجل عربي، في حين أن صدام عربي نفذ عليه الإعدام رجل فارسي أو غيرها فاستخدام السلطة هو ذاته هنا وهناك. والسلطة لا تفرق بين الأجناس أو العرقيات فمصلحتها هي الأساس ولذلك كانت الدولة العباسية تستفيد من الفرس بشكل كبير كما استفادت من أبي مسلم الخراساني، وحينما انتهت هذه الاستفادة وأصبح تهديد الخراساني خطيراً على السلطة التي منحته تلك السلطة أنهت حياته في موقف آخر.
2_ ليس من الضروري أن تكون في الطرف الآخر؛ أي في الطرف الأمريكي، حينما تنتقد الوضع العربي والمتمثل في الجدل الدائر حول نهاية صدام، أو كان لك رأيك في صدام أو الطريقة التي انتهى عليها فقط لمجرد أنه كان في الصف المقابل من المستعمر. ليس من الضروري أن تتهم بكل تهم الانهزامية والخيانة العربية والامبريالية لمجرد أن لك رأيك الخاص. كلنا نعرف صدام قبل فترة الغزو الأمريكي. فلماذا نتناسى ما كان عليه؟! أمجرد أنه وقف ضد المحتل؟!. الصواب صواب والخطأ خطأ وقد يتداخل الصواب والخطأ في الفعل الواحد مما يجعل الأفكار في حيرة أحياناً، فلماذا هذه الحدية إما (مع) أو (ضد)؟! لماذا هذا التطرف في الرأي؟! ألا توجد هناك مناطق رمادية أو متعددة الألوان؟! تاريخ صدام تاريخ إجرامي، ونهايته كانت إجرامية أيضاً بالنسبة لمن قام بالعمل. واختيار الوقت كان له هدف رمزي محدد ليصبح أكثر نكاية، وهذا جزء من الإجرام برأيي.
صدام شخصية جدلية، كما أن نهايته كانت جدلية أيضا، وجدليته هذه هي في رأيي صورة طبق الأصل من جدلية العقلية العربية، وهذا ما كان يهمنا هنا حينما كتبنا حول صدام بعد عام من نهايته، فصدام أفضى إلى مصيره مع كل ما قدم، لكن يبقى شخصية جدلية مهما قلنا كونه تشكل وفق الرؤية العربية للأحداث.
* كاتب سعودي

http://www.alwatan.com.sa/news/writerdetail.asp?issueno=2646&id=3698&Rname=33