سعـود البـلوي
11-11-2003, 02:48 AM
مبادئ (الأستاذ) الجاحظ
عاش الجاحظ-أبو عثمان عمرو بن بحر الكناني- عمراً طويلاً بلغ 92 سنة. ملأ الدنيا خلالها إبداعاً وفكراً.
كما عاصر شخصيات كبيرة ومؤثرة ثقافياً في تلك الحقبة (كالخليل بن
أحمد ، والأصمعي ، وأبو نواس ، وأحمد بن حنبل ...) وغيرهم ، إلا أن
القرن الذي عاش فيه ، كانت الثقافة العربية في أوج مجدها
وازدهارها.. فكان ابن عصره ، ونتاجاً لذلك الازدهار الثقافي.. وقد لا
يخفى نزعة الجاحظ العروبية ، وتمثيله للثقافة العربية مقابل ثقافة (الشعوبية).
ويُعدُّ (الأستاذ) من أغزر كتّاب العالم ؛ فقد كتب حوالي 360 كتابًا في
مختلف المجالات الفكرية والأدبية والدينية والتاريخية والسياسية ، لم
يصلنا منها -مع الأسف الشديد- سوى النزر اليسير.
ويعتبر الجاحظ من أشهر أدباء عصره ، واشتهر بشوهته ودمامة خَلقه ،
وقد اكتسب لقب (الجاحظ) بسبب جحوظ عينيه. لكنه كان طريفاً فكاهياً
في حياته وكتاباته.
وقد كان الجاحظ يؤمن بأهمية الشك المؤدي إلى اليقين (وقد أثّر به ذلك
من خلال مراقبة بعض المخلوقات كالحيوان والطيور .. فألف كتابه
الشهير "الحيوان" ) ، كما كان يرفض الخرافات والأساطير (وينقد من
يرويها من العلماء أمثال "أبي زيد الأنصاري" ، فيقول: إن أبا زيد أمين ثقة،
لكنه ينقصه النقد لأمثال هذه الأخبار التي يرويها عن السعالي والجن،
وكيف يراهم الناس ويتحدثون إليهم ويتزوجونهم وينجبون؟ وكان الجاحظ
يرفض وضع صحابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مكانة أعلى من
البشر، بحيث لا يحق لأحد أن يتعرض لأعمالهم ويقيمها وينقدها، فهو
يرى أن من حق المؤرخ أن يتناول أعمالهم بميزان العقل، لأنهم بشر
كالبشر يخطئون ويصيبون، وليسوا ملائكة، وإذا كانت صحبتهم للرسول -
صلى الله عليه وسلم- تعطيهم حق التوقير فإن هذه الصحبة نفسها
تجعل المخطئ منهم موضع لوم شديد؛ لأنه أخطأ رغم صحبته وقربه من
الرسول -صلى الله عليه وسلم).
ولقد عاش الجاحظ حياته وفق فلسفة خاصة ، إذ كان معروفاً بتعمقه
في التفكر والتأمل ... وقد اشتهر بمبادئه الثلاثة :
الأول : " عِش كما تريد ". إذ كان يعيش حياته كما يريد هو لا كما يُراد
له ؛ فقضى حياته بين أمرين : إشغال عقله بالتفكير والتأمل والتأليف ،
وكذلك ارتياد ميادين المناظرات ومجالس العلم والعلماء والخلفاء
(وبالمناسبة: فقد عاصر الجاحظ في حياته 12 خليفة من خلفاء بني
العباس هم: المهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم
والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهتدي بالله).
وعلى الجانب الآخر كان أبو عثمان لا يرى إشكالاً من الاستمتاع بالحياة
كالاستئناس بالجواري التي تُهدى إليه ، والتمتع بما يقدمنه من ضروب
الغناء والرقص في قصور الخلفاء والمترفين ، كما كان يرتاد مجالس
الشعر والشعراء الماجنين كأبي نواس وغيره.. لأن النفس لها حق
بالترويح كما للعقل حق بالتفكير.
وعن منهج (الجاحظ) في معرفة الحلال والحرام فيقول : "إنما يعرف
الحلال والحرام بالكتاب الناطق، وبالسنة المجمع عليها، والعقول
الصحيحة، والمقاييس المعينة" رافضًا بذلك أن يكون اتفاق أهل المدينة
على شيء دليلاً على حله أو حرمته؛ لأن عظم حق البلدة لا يحل شيئا
ولا يحرمه، ولأن أهل المدينة لم يخرجوا من طباع الإنس إلى طبائع
الملائكة "وليس كل ما يقولونه حقًا وصوابًا".
لكنَّ (الأستاذ) كان يحرص أن يعيش حياته الخاصة بعيداً عن أعين
(العامّة) ؛ لأنهم لا يقدِّرون ما ارتضى أبو عثمان لنفسه من فلسفة في
هذه الحياة.
أما المبدأ الثاني من مبادئه فهو : " أرضِ العامة تأمن شرهم ". وهو
بذلك لم يعمل لإرضائهم بالتحوّل عن مبادئه وقناعاته الفكرية ، لكنه كان
يحرص على عدم استثارة عقولهم (الصغيرة) بالقضايا الكبيرة لئلا
يُستغَلوا من قبل أطراف أخرى فيتم تأليب الرأي العام ضده ، فهو يدرك
قطعاً أن (عقول) العامة لا تتسع لفكر كفكره ؛ ففضَّل ألاّ يكون كبش فداء
للعامة من الناس ، لا سيّما أنهم يمثلون الطبقة الأقل (فكرياً) في
المجتمع ، على الرغم من أن الكثير من كتبه يقرؤها العامة ، وهي
موجهة إليهم كما هي موجهة لغيرهم من مثقفي ذلك العصر.
وكان الجاحظ حريصاً على إبداء الصراحة في شتى المواقف والمواقع ،
محققاً بذلك المبدأ الثالث من مبادئه ، وهو : " الصراحة أولاً ". إذ كان
صريحاً في آرائه وأفكاره ، ولم يخشَ بذلك لومة لائم. فلم يكن يجامل
أحداً على حساب نفسه وفكره ومعتقداته ، ويتضح ذلك من خلال
المناظرات التي شارك بها ، ومؤلفاته ورسائله وردوده ، لا سيّما أن
خطابه موجه إلى (النخبة) وصفوة المجتمع من المفكرين والمبدعين. إلا
أن كتاباته اشتملت على نوع جديد في الثقافة العربية وهو "الخطاب
الساخر" كرسالته في "التربيع والتدوير"...
ويقال إن ما عاناه الجاحظ كان بسبب صراحته وعدم مداراته ومجاملته
لغيره ؛ إذ تعرّض للسجن من قبل الوزير العباسي (أحمد بن أبي دؤاد) ،
وما إصابته بـ(الفالج)* إلا بسبب القيد الذي حبس الدم عن عروق إحدى
قدميه ، ثم تفاقمت إصابته شيئاً فشيئاً حتى تأثرت صحته بشكل عام ،
عوضاً عن تقدمه في السن.
والجاحظ كان محبّاً للقراءة منذ نعومة أظفاره ، وعلى الرغم من شوهته
وقبح منظره ، إلا أنه كان جميلاً من (الداخل)-في عقله وإبداعه. وما
سبّب موته سوى حبه للكِتاب ؛ فعلى الرغم من ثقل حركته بسبب
(الفالج) وتقدُّم السن تحامل على نفسه ودخل مكتبته ، فسقط على
الأرض وتهاوت عليه رفوفها بما تحمله من كتب ضخمة ذهب ضحيتها.
فرحمك الله يا أبا عثمان ، كم عملت من أجل العقل .
ـــــــــــــ
* الفالج : هو ما يعرف بالشلل اليوم.
مراجع :
انظر : د. أحمد كمال زكي ، من أعلام العرب (الجاحظ).
وانظر : منير عتيبة ، الجاحظ .. العقل أولاً.
عاش الجاحظ-أبو عثمان عمرو بن بحر الكناني- عمراً طويلاً بلغ 92 سنة. ملأ الدنيا خلالها إبداعاً وفكراً.
كما عاصر شخصيات كبيرة ومؤثرة ثقافياً في تلك الحقبة (كالخليل بن
أحمد ، والأصمعي ، وأبو نواس ، وأحمد بن حنبل ...) وغيرهم ، إلا أن
القرن الذي عاش فيه ، كانت الثقافة العربية في أوج مجدها
وازدهارها.. فكان ابن عصره ، ونتاجاً لذلك الازدهار الثقافي.. وقد لا
يخفى نزعة الجاحظ العروبية ، وتمثيله للثقافة العربية مقابل ثقافة (الشعوبية).
ويُعدُّ (الأستاذ) من أغزر كتّاب العالم ؛ فقد كتب حوالي 360 كتابًا في
مختلف المجالات الفكرية والأدبية والدينية والتاريخية والسياسية ، لم
يصلنا منها -مع الأسف الشديد- سوى النزر اليسير.
ويعتبر الجاحظ من أشهر أدباء عصره ، واشتهر بشوهته ودمامة خَلقه ،
وقد اكتسب لقب (الجاحظ) بسبب جحوظ عينيه. لكنه كان طريفاً فكاهياً
في حياته وكتاباته.
وقد كان الجاحظ يؤمن بأهمية الشك المؤدي إلى اليقين (وقد أثّر به ذلك
من خلال مراقبة بعض المخلوقات كالحيوان والطيور .. فألف كتابه
الشهير "الحيوان" ) ، كما كان يرفض الخرافات والأساطير (وينقد من
يرويها من العلماء أمثال "أبي زيد الأنصاري" ، فيقول: إن أبا زيد أمين ثقة،
لكنه ينقصه النقد لأمثال هذه الأخبار التي يرويها عن السعالي والجن،
وكيف يراهم الناس ويتحدثون إليهم ويتزوجونهم وينجبون؟ وكان الجاحظ
يرفض وضع صحابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مكانة أعلى من
البشر، بحيث لا يحق لأحد أن يتعرض لأعمالهم ويقيمها وينقدها، فهو
يرى أن من حق المؤرخ أن يتناول أعمالهم بميزان العقل، لأنهم بشر
كالبشر يخطئون ويصيبون، وليسوا ملائكة، وإذا كانت صحبتهم للرسول -
صلى الله عليه وسلم- تعطيهم حق التوقير فإن هذه الصحبة نفسها
تجعل المخطئ منهم موضع لوم شديد؛ لأنه أخطأ رغم صحبته وقربه من
الرسول -صلى الله عليه وسلم).
ولقد عاش الجاحظ حياته وفق فلسفة خاصة ، إذ كان معروفاً بتعمقه
في التفكر والتأمل ... وقد اشتهر بمبادئه الثلاثة :
الأول : " عِش كما تريد ". إذ كان يعيش حياته كما يريد هو لا كما يُراد
له ؛ فقضى حياته بين أمرين : إشغال عقله بالتفكير والتأمل والتأليف ،
وكذلك ارتياد ميادين المناظرات ومجالس العلم والعلماء والخلفاء
(وبالمناسبة: فقد عاصر الجاحظ في حياته 12 خليفة من خلفاء بني
العباس هم: المهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم
والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهتدي بالله).
وعلى الجانب الآخر كان أبو عثمان لا يرى إشكالاً من الاستمتاع بالحياة
كالاستئناس بالجواري التي تُهدى إليه ، والتمتع بما يقدمنه من ضروب
الغناء والرقص في قصور الخلفاء والمترفين ، كما كان يرتاد مجالس
الشعر والشعراء الماجنين كأبي نواس وغيره.. لأن النفس لها حق
بالترويح كما للعقل حق بالتفكير.
وعن منهج (الجاحظ) في معرفة الحلال والحرام فيقول : "إنما يعرف
الحلال والحرام بالكتاب الناطق، وبالسنة المجمع عليها، والعقول
الصحيحة، والمقاييس المعينة" رافضًا بذلك أن يكون اتفاق أهل المدينة
على شيء دليلاً على حله أو حرمته؛ لأن عظم حق البلدة لا يحل شيئا
ولا يحرمه، ولأن أهل المدينة لم يخرجوا من طباع الإنس إلى طبائع
الملائكة "وليس كل ما يقولونه حقًا وصوابًا".
لكنَّ (الأستاذ) كان يحرص أن يعيش حياته الخاصة بعيداً عن أعين
(العامّة) ؛ لأنهم لا يقدِّرون ما ارتضى أبو عثمان لنفسه من فلسفة في
هذه الحياة.
أما المبدأ الثاني من مبادئه فهو : " أرضِ العامة تأمن شرهم ". وهو
بذلك لم يعمل لإرضائهم بالتحوّل عن مبادئه وقناعاته الفكرية ، لكنه كان
يحرص على عدم استثارة عقولهم (الصغيرة) بالقضايا الكبيرة لئلا
يُستغَلوا من قبل أطراف أخرى فيتم تأليب الرأي العام ضده ، فهو يدرك
قطعاً أن (عقول) العامة لا تتسع لفكر كفكره ؛ ففضَّل ألاّ يكون كبش فداء
للعامة من الناس ، لا سيّما أنهم يمثلون الطبقة الأقل (فكرياً) في
المجتمع ، على الرغم من أن الكثير من كتبه يقرؤها العامة ، وهي
موجهة إليهم كما هي موجهة لغيرهم من مثقفي ذلك العصر.
وكان الجاحظ حريصاً على إبداء الصراحة في شتى المواقف والمواقع ،
محققاً بذلك المبدأ الثالث من مبادئه ، وهو : " الصراحة أولاً ". إذ كان
صريحاً في آرائه وأفكاره ، ولم يخشَ بذلك لومة لائم. فلم يكن يجامل
أحداً على حساب نفسه وفكره ومعتقداته ، ويتضح ذلك من خلال
المناظرات التي شارك بها ، ومؤلفاته ورسائله وردوده ، لا سيّما أن
خطابه موجه إلى (النخبة) وصفوة المجتمع من المفكرين والمبدعين. إلا
أن كتاباته اشتملت على نوع جديد في الثقافة العربية وهو "الخطاب
الساخر" كرسالته في "التربيع والتدوير"...
ويقال إن ما عاناه الجاحظ كان بسبب صراحته وعدم مداراته ومجاملته
لغيره ؛ إذ تعرّض للسجن من قبل الوزير العباسي (أحمد بن أبي دؤاد) ،
وما إصابته بـ(الفالج)* إلا بسبب القيد الذي حبس الدم عن عروق إحدى
قدميه ، ثم تفاقمت إصابته شيئاً فشيئاً حتى تأثرت صحته بشكل عام ،
عوضاً عن تقدمه في السن.
والجاحظ كان محبّاً للقراءة منذ نعومة أظفاره ، وعلى الرغم من شوهته
وقبح منظره ، إلا أنه كان جميلاً من (الداخل)-في عقله وإبداعه. وما
سبّب موته سوى حبه للكِتاب ؛ فعلى الرغم من ثقل حركته بسبب
(الفالج) وتقدُّم السن تحامل على نفسه ودخل مكتبته ، فسقط على
الأرض وتهاوت عليه رفوفها بما تحمله من كتب ضخمة ذهب ضحيتها.
فرحمك الله يا أبا عثمان ، كم عملت من أجل العقل .
ـــــــــــــ
* الفالج : هو ما يعرف بالشلل اليوم.
مراجع :
انظر : د. أحمد كمال زكي ، من أعلام العرب (الجاحظ).
وانظر : منير عتيبة ، الجاحظ .. العقل أولاً.